ابن خلدون
205
تاريخ ابن خلدون
ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية فالسلطان يا بنى حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه المقيم فاحفظه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين واقمع المارقين منه وقابل الخارجين عنه بالعقاب ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن واحكم بالعدل ولا تشطط فان ذلك أقطع للشعث وأحسم للعدو وأنجع في الدواء واعف عن الفئ فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والإثرة والتبديد لأموال الرعية واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبيل وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم وارفع المكاره عنهم وأعد الأموال واخزنها وإياك والتبديد فان النوائب غير مأمونة وهي من شيم الزمان وأعد الأكراع والرجال والجند ما استطعت وإياك وتأخير عمل اليوم لغد فتتداول الأمور وتضيع وخذ في احكام الأمور والنازلات في أوقاتها أولا أولا واجتهد وشمر فيها وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل واستعمل حسن الظن وأسيئ الظن بعملك وكتابك وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسهل اذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك وكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير ساهية ولا تنم فان أباك لم ينم منذ ولى الخلافة ولا دخل عينه الغمض الا وقلبه مستيقظ هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك ثم ودعه وسار إلى الكوفة فأحرم منها قارنا وساق الهدى وأشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة ولما سار منازل عرض له وجعه الذي مات به ثم اشتد فجعل يقول للربيع وكان عديله بادر بي إلى حرم ربى هاربا من ذنوبي فلما وصل بئر ميمون مات سحر السادس من ذي الحجة لم يحضر الا خدمه والربيع مولاه فكتموا الامر ثم غدا أهل بيته على عادتهم فدعا عيسى بن علي العم ثم عيسى بن موسى بن محمد ولى العهد ثم الأكابر وذوي الأنساب ثم عامتهم فبايعهم الربيع للمهدى ثم بايع القواد وعامة الناس وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة فبايعا الناس للمهدى بين الركن والمقام وجهزوه إلى قبره وصلى عليه عيسى بن موسى وقيل إبراهيم بن يحيى ودفن في مقبرة المعلاة وذلك لاثنتين وعشرين سنة من خلافته وذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه وهو من أهل البصرة وكان يختلف إلى المنصور تلك الأيام قال جئت من مكة صبيحة موته إلى العسكر فإذا موسى بن المهدى عند عمود السرادق والقاسم بن المنصور في ناحية فعلمت انه قد مات ثم أقبل الحسن بن زيد العلوي والناس حتى ملؤا السرادق وسمعنا همس البكاء ثم خرج أبو العنبر الخادم مشقوق الأقبية وعلى رأسه التراب وهو يستغيث وقام القاسم فشق ثيابه ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس فقرأه على الناس وفيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف